محمد بن جرير الطبري
18
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
تُخْفِي الصُّدُورُ ولسنا مع ذلك نأمن من حوادث الأمور وبغتات الموت قبل ما ابتدأت به من قطيعتي ، فان تعجل بي امر كنت قد كفيت مئونة ما اغتممت له ، وسترت قبح ما أردت اظهاره ، وان بقيت بعدك لم تكن اوغرت صدري ، وقطعت رحمي ، ولا أظهرت أعدائي في اتباع اثرك ، وقبول أدبك ، وعمل بمثالك . وذكرت ان الأمور كلها بيد الله ، هو مدبرها ومقدرها ومصدرها عن مشيئته ، فقد صدقت ، ان الأمور بيد الله ، وقد حق على من عرف ذلك ووصفه العمل به والانتهاء اليه واعلم انا لسنا جررنا إلى أنفسنا نفعا ، ولا دفعنا عنها ضرا ، ولا نلنا الذي عرفته بحولنا ولا قوتنا ، ولو وكلنا في ذلك إلى أنفسنا وأهوائنا لضعفت قوتنا ، وعجزت قدرتنا في طلب ما بلغ الله بنا ، ولكن الله إذا أراد عزما لانفاذ امره ، وانجاز وعده ، واتمام عهده ، وتأكيد عقده ، احكم ابرامه ، وابرم احكامه ، ونور اعلانه ، وثبت أركانه ، حين أسس بنيانه ، فلا يستطيع العباد تأخير ما عجل ، ولا تعجيل ما اخر ، غير أن الشيطان عدو مضل مبين ، قد حذر الله طاعته ، وبين عداوته ، ينزع بين ولاه الحق وأهل طاعته ، ليفرق جمعهم ، ويشتت شملهم ، ويوقع العداوة والبغضاء بينهم ، ويتبرأ منهم عند حقائق الأمور ، ومضايق البلايا ، وقد قال الله عز وجل في كتابه : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » ووصف الذين اتقوا فقال : « إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ » ، فاعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يكون نيته وضمير سريرته